الذهبي
16
الأمصار ذوات الآثار
بلادهم الواقعة شرق البحر الأسود ، وقد كان هؤلاء الكرج أهل بطش وظلم وعدوان ، لم يسلم من إيذائهم أحد من جيرانهم قبل الإسلام ولا بعده ، فقد تضررت منهم مملكة فارس قبل الإسلام ، ومن ثم راحوا يصبون النقمة والظلم على المسلمين من حولهم في بلاد أذربيجان ، وأرّان ، ودربند شروان ، وأرزن الروم ، وخلاط ، ولم يجسر أحد على الإيقاع بهم كما فعل جلال الدين بن علاء الدين خوارزم شاه آخر سلاطين الخوارزمية رغم ضعف دولته ، وقضاء التتر على معظم جنده . كما قامت الدولة الخوارزمية بمحاربة الإسماعيليين الباطنيين ، ووضعوا السيف في جموع كبيرة جدا منهم . ثم زالت الدولة الخوارزمية في آخر سنة 628 ، ومحيت آثارها ، ونسفت ديارها ، وأبيدت جنودها على يد التتار الكفرة لعنهم اللّه فإنهم فعلوا في بلاد المسلمين من القتل والفحش والسبي والنهب والتخريب والفساد ما لم يسمع بمثله في تاريخ البشرية كلها . وقد ذكرت من ذي قبل أن الدولة السّلجوقية تفرع عنها دويلات ، وذلك كدولة سلاجقة الروم ، وشاهات إرمينية ، ودول الأتابكة ، وسأتحدث فيما بعد إن شاء اللّه تعالى عن بعض دول الأتابكة ودورهم الفريد في محاربة الصليبيين ، وتمهيدهم الطريق للأيوبيين ومن ثم للمماليك في محو آثار الصليبيين من بلاد الشام ومصر . ( 2 ) دول الشام ومصر : لم يحظ بلد من البلدان بما حظيت به بلاد مصر والشام من موقع جغرافي ، وسوقي ، وروحي مميز ، فكانت مهد النبوات ، ومهبط الحضارات ، وملتقى التجارات ، لذا تطلعت إليها الأنظار ، وتأسست فيها الدول الكبار ، وكانت أولى البلاد التي فتحها المسلمون في زمن الراشدين ، وظلت تحت